خليل الصفدي
420
أعيان العصر وأعوان النصر
وكان آية في الكرم ، وغاية في الجود ، يخجل الغيث إذا احتد برقه واضطرم ، لا يغسل قباءه أبدا ، ولا يرى له في اقتنائه مستندا ، بل يلبسه فإذا استخ وهبه ، ونزعه عن جسده لغيره وسلبه . وكان في أخلاقه حدّة وشراسة ، وشدة تقطع من الحلم أمراسة . ولم يزل على حاله في قلعة صفد ، إلى أن طوي خبر طوغان بعد ما كان سائرا من مصر إلى موغان ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - سنة أربع وعشرين - فيما أظن - . وكان يحكى عنه عجائب منها ، أنه كان يوما في قلعة البيرة جالسا ، وعنده المباشرون يعملون الحساب ، فنعس هو لحظة وغفا ، وانتبه فقال للناظر : اكتب على طوغان جناية مبلغ مائتي درهم ؛ لكونه يكون في شغل مولانا السلطان وينعس ، فما أمكن الناظر والمباشرين إلا امتثال أمره ، وقال لخزنداره : هات مائتي درهم فأحضرها ، ووضعها في صندوق الحاصل ، فلما كان بعد أيام نعس الناظر ، فجناه خمسمائة درهم . وكان يوما في صفد جالسا على البرج ، والهواء يتخفّق في أعلى القلعة ، فلعب الهواء بذيله ، فوضعه تحت فخذه ، فلعب الهواء به ثانيا ، فشال فخذه ووضعه تحته ، فلعب به ثالثا فنزعه عنه ، وألقاه على الأرض ، وضربه بالعصي إلى أن قطعه . وكان الأمير سيف الدين أرقطاي كثير البسط والانشراح ، فجاءه بعض أمراء العربان فانبسط عليه ، وقال : أطلعوه القلعة فجاءوا به ، وهو واقف في عمارة القلعة ، فلما رآه قال : هات قيدا ، وقيّده به ، وأداره في العمل تحت الحجارة والكلس « 1 » ، فقالوا : يا خوند ، إنما ملك الأمراء يلعب معه ، فقال : واللّه أنا عندي لعب ! ، وتعب الناس في خلاصه منه ، إلى أن اجتمع به في الخدمة ، وشفع فيه حتى أطلقه . وكان يقف في عمارة القلعة من طلوع الشمس إلى مغيبها ، وإذا كان الليل نام على قفاه ، ورفع رجليه مع الحائط ، وقد عصبها بالفصاديات وقمطها ، ويعطي الصانع الدراهم من عنده ، وهو يضربه بالعصا التي في يده ، وقلما ضرب أحدا إلا أجرى دمه ؛ لأنه ما كان يكون في يده عصا ، إلا ما تصلح أن تكون نصاب دبّوس - رحمه اللّه - . وفيه يقول علاء الدين الوداعي - وقد كان عنده في البيرة كاتب درج - ومن خطه نقلت : ( البسيط ) يا جيرة قربهم مرادي * وحظّ قلبي ، ولحظ عيني طوغان طوفان راحتيه * قد حال بينكم وبيني
--> ( 1 ) نوع الآجر والحجارة ، والإسمنت في وقتنا الحاضر والذي يقوم به البناء .